محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

421

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

ثلاثة أيّام ، ثمّ ليغتسل وليلبس في اليوم الرابع ثيابا جددا ، ثمّ ليأت معك إلى الطور . فجاءوا كما أمروا ، وجاءت سحابة فيها نور ؛ فسمعوا نداء فسجدوا . وفي رواية : فلمّا غشيهم الغمام أمرهم موسى بالسجود وكلّمه ربّه ؛ فسمعوا كلامه يأمره وينهاه حتّى سمعوا وعقلوا . وفي رواية : أنّ ذلك النداء هو : « إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا الحيّ القيّوم ؛ فلا يعبدوا إلها غيرى ولا يشركوا بي شيئا » . فلمّا سمعوا ذلك خرجت أرواحهم من أجسادهم ثمّ عادت إليهم ، فقالوا وهم سجود : يا موسى ! إنّا لا نطيق سماع كلام ربّنا ؛ فكن أنت بيننا وبين ربّنا - عزّ وجلّ - ، ففعل ؛ وكان اللّه - عزّ وجلّ - يقول : يا موسى ! وموسى يقول : يأمركم بكذا وينهاكم عن كذا . ثمّ رفعوا رؤوسهم ؛ فلمّا رجعوا إلى العسكر فأتاهم القوم الذين لم يشهدوا ( 184 آ ) الجبل واستخبروهم عمّا قال لهم ربّهم ؛ فحدّثهم أهل الصدق بما أمرهم به ونهاهم عنه ، وقال الذين لم يرد اللّه تطهير قلوبهم من الكذب : قد قال مثل ما قال هؤلاء الصادقون غير أنّه قال في آخره : فإن لم تستطيعوا ما نهيتكم عنه فلا بأس عليكم ؛ فبدّلوا وغيّروا وذلك قوله : ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أي الأمر بخلاف ما قالوه ؛ هذا قول مقاتل والربيع ومحمّد بن إسحاق ورواية الضحّاك عن ابن عبّاس . « 1 » قال الزجّاج : إنّ هؤلاء اليهود إن كفروا فلهم سابقة في كفرهم ، وتلك السابقة ما ذكرناه من القصّة . والطريقة الثانية في تأويل الآية ما رواه عطاء عن ابن عبّاس : وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يريد طائفة منهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ بين موسى والأنبياء - عليهم السلام - ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وعرفوه من الحلال إلى الحرام والحرام إلى الحلال وَهُمْ يَعْلَمُونَ ما حرّفوا ؛ وهذا قول مجاهد والسدّي وقتادة وابن زيد وعكرمة ووهب . « 2 » قالوا : يريد ما غيّروه من أحكام التوراة وآية الرجم وصفة النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - ؛ والتحريف تغيير الشيء عن وجهه ، وهم يعلمون ما في تحريفه من العقاب ؛ وقيل : وهم يعلمون أنّ الذي أتوا به ليس من قول اللّه .

--> ( 1 ) . في المتن وفي الهامش كلمة : التفسير . ( 2 ) . في الهامش عنوان : المعاني .